شارك هذا الموضوع

الظروف السياسية في عصر الإمام الكاظم (ع)

ولد الإمام الكاظم (عليه السلام) في عهد مروان بن محمد الأموي المشهور بالحمار والذي تولى السلطة سنة 127هـ وهو آخر الحكام الأمويين حيث قتل سنة 132هـ على يد العباسيين وبه انتهى الحكم الأموي وتسلط على الأمة بنو العباس.


وبذلك عاش الإمام حوالي أربع سنوات في ظل الحكم الأموي ولكنها كانت سنوات الغليان الثوري والنقمة الشعبية العارمة ضد الأمويين.


وسرق العباسيون ثورة الأمة وتولوا الحكم تحت شعار (إلى الرضا من آل محمد) وكان أول حاكم عباسي هو أبو العباس السفاح والذي دخل الكوفة حاكماً في 12 ربيع الأول سنة 132هـ واشتغل طوال فترة حكمه بتصفية الأمويين وإرساء دعائم الحكم الجديد وغفل عن العلويين لضعف سلطته آنذاك ولأن الحكم قد قام باسمهم ولاستمالتهم وإرضائهم وقد توفي بتاريخ 12 ذي الحجة سنة 136هـ.


وتولى السلطة بعده وبوصية منه أخوه أبو جعفر المنصور وفي عهده اتضحت معالم السياسة العباسية للناس والتي لم تكن تختلف عن سياسة الأمويين فهي قائمة على أساس الحكم الوراثي والاستبداد والظلم والفساد واغتصاب الأمر من أصحابه الشرعيين أهل البيت (عليهم السلام).


وبينما استغل الإمام الصادق (عليه السلام) فترة نهاية الحكم الأموي وبداية الحكم العباسي في نشر العلوم والمعارف الإسلامية والتي طمست وأصابها التحريف والتشويه بواسطة أدعياء الدين الملتفين حول السلطة وفي تربية الكوادر والعناصر المؤمنة الملتزمة الواعية بحقيقة الدين.. وكان للإمام الكاظم دور كبير في هذا المجال منذ حداثة سنّه.


في نفس الوقت كان بعض الثوار العلويين ممن شاركوا في صنع الثورة وإنجاحها يعملون ضد سرقة العباسيين للثورة وممارستهم لسياسة ظالمة منحرفة عن الإسلام وبالطبع لم تكن هذه الثورات بعيدة عن توجيهات الأئمة بل كانوا يرعونها سراً ، وعرف المنصور العباسي توجهات العلويين ضد حكمه فبدأ يمارس معهم سياسة البطش والإرهاب والقمع والحرمان مما زاد في نقمتهم وسخطهم.


واندلعت الثورات العلوية ضد العباسيين وكان أولها ثورة محمد بن عبد الله بن الحسن المسمى (ذي النفس الزكية) والذي كان من المفروض أن يستلم الحكم بعد الأمويين لأن الهاشميين قد بايعوه بالخلافة لذلك لم يعترف بالحكم العباسي ولم يبايع للسفاح ولا للمنصور من بعده.. وحينما تصاعد الجور والاضطهاد العباسي للعلويين أعلن الثورة ضدهم وسيطر على المدينة سنة 145هـ فأرسل المنصور جيشاً ضخماً يتكون من فرقتين الأولى بقيادة عيسى بن موسى وفيها (4000) فارس والثانية بقيادة حميد بن قحطبة وفيها (5000) فارس وحاصر الجيش العباسي المدينة وقمعوا الثورة وقتل قادتها ونال أهل المدينة من بطش الجيش العباسي الشيء الكثير ، تلتها ثورة إبراهيم بن عبد الله العلوي في البصرة في ذات السنة وكان مصيرها نفس مصير الثورة السابقة.


وبالطبع لم يقتصر القمع العباسي على الثوار العلويين بل امتد ليشمل كل العلويين وأتباعهم حتى الذين لم يشتركوا في الثورة مباشرة وهكذا بدأت الضغوط تتوالى على الإمام الصادق (عليه السلام) من قبل السلطة العباسية والتي كانت تعتقد بأنه محرك العلويين وباعث روح الثورة في نفوس الأمة ، فأمر المنصور عامله على المدينة أن ينهي حياة الإمام الصادق بشكل غير واضح فدس له سماً قطع أمعاء الإمام والتحق بالرفيق الأعلى سنة 148هـ.


وآلت الإمامة إلى الإمام الكاظم (عليه السلام) وكان عمره الشريف عشرين سنة. وظل الإمام يمارس مسؤولياته بعد أبيه بحذر وحكمة حتى هلك المنصور العباسي في ذي الحجة سنة 158هـ بعد 22 سنة من الحكم الموغل في الظلم والإرهاب.


وعهد بالأمر لولده المهدي والذي بدأ خلافته بإصدار عفو عن جميع المعتقلين السياسيين ورد الأموال المصادرة من قبل أبيه إلى أهلها بما في ذلك الأموال التي صادرها المنصور من الإمام الصادق فقد ردها المهدي إلى الإمام الكاظم (عليه السلام).


وكان المهدي ماجناً خليعاً اشتغل باللهو والغناء والجواري والبذخ.. وقد استمر في الحكم إحدى عشر سنة 158هـ إلى 169هـ وعزم مرة على اعتقال الإمام الكاظم حينما رأى اتساع نشاطه والتفاف الأمة حوله فجلبه من المدينة إلى عاصمته بغداد ولكنه أطلق سراحه على أثر رؤيا رآها في المنام كما سيأتي تفصيل ذلك.


وحكم بعده ولده موسى الهادي بوصية منه وكان شاباً يبلغ من العمر 25 سنة وكان ماجناً طائشاً وهو أول خليفة عباسي أولع بشرب الخمر وكان مبغضاً لأهل البيت (عليهم السلام) حاقداً عليهم ومن بداية حكمه أعلن ضدهم القمع والشدة فتفجرت تلك الثورة العلوية العظيمة بقيادة الحسين بن علي حفيد الإمام الحسن السبط (عليه السلام) في سنة 169هـ والتي انتهت بمقتله مع أصحابه في واقعة (فخ) المشهورة.


وحينما أراد الحسين شهيد فخ الخروج ودعه الإمام الكاظم (عليه السلام) بقوله: (إنك مقتول فأحدّ الضراب فإن القوم فسّاق يظهرون إيماناً ويضمرون نفاقاً وشركاً، فإنا لله وإنا إليه راجعون وعند الله أحتسبكم من عصبة).


وكانت السلطة العباسية تعرف موقف الإمام موسى المؤيد للثورة دون أن تمتلك أي مستمسك يدين الإمام بوضوح ولذلك لما سمع الخليفة الهادي العباسي عن أخبار الثورة وجه اتهامه فوراً إلى الإمام موسى الكاظم مهدداً له بالقتل حيث قال: (والله ما خرج حسين إلا عن أمره، ولا اتبع إلا محبته لأنه صاحب الوصية في أهل البيت قتلني الله إن أبقيت عليه).


وأضاف يقول في تهديده:
(ولولا ما سمعت من المهدي فيما أخبر به المنصور ما كان به جعفر ـ يعني الإمام الصادق ـ من الفضل المبرز عن أهله في دينه وعمله وفضله وما بلغني من السفاح فيه من تعريضه وتفضيله لنبشت قبره وأحرقته بالنار إحراقاً).


وكان في مجلسه القاضي أبو يوسف فانبرى إليه قائلاً: (نساؤه طوالق، وعتق جميع ما يملك من الرقيق، وتصدق جميع ما يملك من المال، وحبس دوابه، وعليه المشي إلى بيت الله، إن كان مذهب موسى بن جعفر الخروج، ولا يذهب إليه، ولا مذهب أحد من ولده ولا ينبغي أن يكون هذا منهم).


ولكن الأنباء تناقلت تهديده الشديد مما سبب القلق والاضطراب في نفوس العلويين وأتباعهم خوفاً على حياة الإمام واقترحوا على الإمام أن يختفي من وجه الطاغية فتبسم الإمام موسى وتمثل بقول كعب بن مالك: زعمت سخينة أن ستغلب ربها***وليغلبن مغالب الغلاب


ويقول الآخر:
أبشر بطول سلامة يا مربع ،  زعم الفرزدق أن سيقتل مربعاً
 
واتجه الإمام نحو القبلة وأخذ يتضرع إلى الله ويتوسل إليه لينجيه من شر الطاغية ، والتفت الإمام موسى (عليه السلام) بعد الدعاء إلى أصحابه قائلاً: (ليفرج روعكم فإنه لا يأتي الكتاب من العراق إلا بموت موسى الهادي).


فقالوا جميعاً: (وما ذاك أصلحك الله؟).
قال (عليه السلام): (وحرمة صاحب هذا القبر ـ مشيراً إلى قبر رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد مات موسى الهادي من يومه هذا، والله إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون).


فكان كما أخبر (عليه السلام).
وهلك موسى الهادي سنة 170هـ في شهر ربيع الأول بعد سنة وشهرين تقريباً من توليه السلطة.


وتولى بعده السلطة أخوه هارون الرشيد العباسي بنص من أبيهما ومارس ضد العلويين وشيعتهم سياسة القمع والإرهاب وأقسم مرة على استئصالهم فقال: (والله لأقتلنهم ـ أي العلويين ـ ولأقتلن شيعتهم).


وأرسل طائفة كبيرة منهم إلى ساحات الإعدام ودفن قسماً منهم وهم أحياء وأودع الكثيرين منهم في ظلمات السجون.. وأصدر مرسوماً يقضي بإخراج العلويين فوراً من بغداد إلى يثرب.. وأمر بهدم مرقد الإمام الحسين (عليه السلام) حينما رأى تهافت الشيعة على زيارته وهدم الدور المجاورة له وأمر بحرث أرض كربلاء ليمحو بذلك كل أثر للقبر الشريف.


كما أعدم الرشيد جماعة من زعماء العلويين وشخصيات أهل البيت منهم عبد الله بن الحسن أبي علي بن الإمام زين العابدين (عليه السلام)، والعباس بن محمد بن عبد الله بن الإمام زين العابدين (عليه السلام)، وإدريس بن الحسن ابن الإمام الحسن السبط (عليه السلام)، ويحيى بن عبد الله بن الحسن بن الإمام الحسن السبط (عليه السلام)، ومحمد بن يحيى بن عبد الله بن الحسن بن الإمام الحسن السبط، والحسين بن عبد الله بن إسماعيل بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وإسحاق بن الحسن بن زيد بن الإمام الحسن السبط (عليه السلام).


•• الدور القيادي
هناك ظاهرة مهمة تتميز بها حياة الإمام الكاظم (عليه السلام) عن حياة بقية الأئمة المعصومين (عليهم السلام) هي شدة المعاناة التي واجهها الإمام من حكام عصره.. فما عدا استشهاد الإمام الحسين (عليه السلام) بتلك الصورة الفظيعة لم يحدث لأحد من الأئمة ما حصل للإمام الكاظم من المآسي والآلام فقد قضى فترة طويلة من عمره في السجن وهدد بالقتل أكثر من مرة وعانى من التعذيب والتنكيل واستشهد غريباً في أعماق السجون ثم جرى على جثمانه الشريف بعد استشهاده من الإهانة وتأخير التجهيز ما لم يحدث لسوى جده الإمام الحسين.


فلماذا تعاملت السلطات مع الإمام الكاظم بهذه القسوة العجيبة؟
حينما يقرأ الإنسان حياة الإمام الكاظم (عليه السلام) يرى بوضوح كيف أن الحركة الرسالية وصلت في عهده إلى درجة من القوة والنضج والتوسع بحيث أصبحت تشكل خطراً حقيقياً وجدياً على السلطة ومن مظاهر هذه القوة ما يلي:


أولاً: تغلغل الحركة داخل النظام:
فبخطة الإمام الحكيمة وبانضباط كوادر الحركة والتزامهما بأقصى درجات السرية والكتمان استطاع الإمام أن يزرع بعض تلامذته وأتباعه الثقات في أهم أجهزة الدولة..


كعلي بن يقطين والذي ولد بالكوفة سنة 124هـ وكان أبوه موالياً لأهل البيت وعلى صلة بالعباسيين فقد تقلد ابن يقطين منصب (أزمة الأزمة) أي إدارة الأمور في عهد المهدي ومن بعده عينه هارون وزيراً له وقد استأذن الإمام في ترك منصبه فأجابه الإمام:


(لا تفعل فإن لنا بك أنساً، ولإخوانك بك عزاً وعسى الله أن يجبر بك كسيراً أو يكسر بك نائرة المخالفين عن أوليائه.


يا علي: كفارة أعمالكم الإحسان إلى إخوانكم، اضمن لي واحدة أضمن لك ثلاثاً، اضمن لي أن لا تلقى أحداً من أوليائنا إلا قضيت حاجته وأكرمته، وأضمن لك أن لا يظلك سقف سجن أبداً، ولا ينالك حد السيف أبداً، ولا يدخل الفقر بيتك أبداً ، يا علي من سر مؤمناً فبالله بدأ وبالنبي ثنّى وبنا ثلث).


ومرة أخرى ضاق صدر بن يقطين من معايشته لفساد السلطة وانحرافها فشكا إلى الإمام وطلب منه الرخصة في ترك منصبه فنهاه الإمام قائلاً: (يا علي إن لله تعالى أولياء مع أولياء الظلمة ليدفع بهم عن أوليائه وأنت منهم يا علي).


وكان الإمام حريصاً على سلامة بن يقطين واحتفاظه بموقعه وتوجيهه إلى تجنب أي عمل يسبب انكشافه أمام السلطة.


فمرة أهدى الرشيد لعلي بن يقطين ثياباً كانت فيها دراعة فاخرة سوداء منسوجة بالذهب يلبسها الخلفاء. فبادر ابن يقطين إلى إرسالها للإمام على يد أحد غلمانه وأخذها الإمام من الغلام ثم ردها إلى ابن يقطين على يد رسول آخر مع كتاب قال فيه: (احتفظ بها ولا تخرجها عنك فسيكون لك بها شأن تحتاج معه إليها).


وصادف أن غضب علي بن يقطين على ذلك الغلام الذي أرسل معه الهدية فسارع الغلام للانتقام منه بإفشاء أسرار علاقة ابن يقطين مع الإمام وكانت الدراعة خير مستمسك لكلامه حيث قال للرشيد: (إن علي بن يقطين يقول بإمامة موسى الكاظم، وأنه يحمل إليه في كل سنة زكاة أمواله والهدايا والتحف وقد حمل إليه في هذه السنة ذلك مع الدراعة السوداء التي أكرمته بها في وقت كذا).


فكان هذا الكلام صدمة لهارون فقال وقد استولى عليه الغضب: (لأكشفن عن ذلك فإن كان الأمر على ما ذكرت أزهقت روحه وذلك من بعض جزائه).


وطلب ابن يقطين فوراً فلما مثل عنده سأله: (ما فعلت بالدراعة السوداء التي كسوتك بها وخصصتك بها من بين سائر خواصي؟).


علي: هي عندي يا أمير المؤمنين، في سفط طيب مختوم عليها.
الرشيد: أحضرها الساعة.
علي: نعم على السمع والطاعة.


وأمر بعض خدمه أن يأتي بها من المكان المعين فأحضرها فوراً فلما نظر إليها الرشيد سكن غضبه وهدأت ثورته وقال: (ردها إلى مكانها، وخذها وانصرف راشداً فلن نصدق بعدها عليك ساعياً) ، ثم أمر له بجائزة وأن يضرب الغلام الساعي ألف سوط فضرب حتى خمسمائة سوط وهلك.


وبقي في منصبه يخدم حركته الرسالية حتى اختاره الله إليه سنة 182هـ وعمره (57) سنة وكان الإمام لا يزال في ظلمات السجون).


وبعض الأقاليم كان يحكمها تلامذة الإمام فمنطقة (الريّ) الكبيرة والمشهورة كان واليها من أتباع الإمام.
تقول الرواية التاريخية أن شخصاً من أهالي الري كانت عليه أموال طائلة لحكومة الريّ فلم يتمكن من أدائها وعلم أن الوالي من أتباع الإمام موسى بن جعفر فسعى لملاقاته في الحج وطلب منه التوسط له لإلغاء ما عليه من ديون فكتب له الإمام رسالة إلى والي (الريّ) جاء فيها بعد البسملة: (اعلم أن الله تحت عرشه ظلاً لا يسكنه إلا من أسدى إلى أخيه معروفاً، أو نفس عنه كربة، أو أدخل على قلبه سروراً، وهذا أخوك والسلام) ، فلما سلم الرسالة إلى الوالي قبّلها وقام تكريماً لها واستجاب لطلب الإمام بإعفاء الرجل من الديون بل وأعطاه من ماله الشيء الكثير.


ثانياً: الكوادر الناضجة:
فببركة مدرسة الإمام الصادق (عليه السلام) والتي كانت تضم زهاء أربعة آلاف طالب.. وبالجهود التي بذلها الإمام الكاظم توفرت للحركة الرسالية في عهد الإمام مجموعة كبيرة من الكوادر الناضجة في مختلف المجالات حتى أحصى الشيخ القرشي حفظه الله في كتابه القيم (حياة الإمام موسى بن جعفر) أكثر من ثلاثمائة شخص من تلامذة الإمام أغلبهم كان في مستوى عظيم من الفضل والنضج.


ثالثاً: السرّية والكتمان:
والحركة التي تتحلى بهذه الصفة تستعصي على ضربات السلطة وتمتلك زمام المبادرة وقد استفاد أتباع أهل البيت من تجاربهم السابقة في الصراع مع السلطات الظالمة فأصبحوا في عهد الإمام الكاظم (عليه السلام) ملتزمين بأقصى درجات السرية والكتمان وكانت جهود السلطة تفشل غالباً في اكتشاف أسرار هذا التحرك وأفراده ونشاطاته.


فمحمد بن عمير (رضوان الله عليه) كان أحد خاصة الإمام ولديه السجل العام الذي فيه أسماء شيعة الإمام فاعتقلته السلطات وبقي في السجون سبعة عشر عاماً وجيء به وهو مكبل بالقيود إلى هارون الذي طلب منه تسليم ذلك السجل. والاعتراف بالأسماء التي فيه! ولكنه رفض وأنكر فأمر بضربه مائة سوط وبلغ به الألم القاسي مبلغاً عظيماً يقول: فكدت أن أسمي وأعترف إلا أني سمعت نداء سجين آخر هو يونس بن عبد الرحمن يقول لي: يا محمد بن عمير اذكر موقفك بين يدي الله، فتقويت بقوله وصبرت ولم أخبر والحمد لله.


وتأكيداً على ضرورة الكتمان والصمود أمام تعذيب السلطة وعدم الاعتراف بشيء من أسرار التحرك يوصي الإمام أحد أصحابه وهو (صالح بن وافد الطبري) فيقول له:


(يا صالح إنه يدعوك الطاغية فيحبسك في حبسه ويسألك عني فقل: إني لا أعرفه).


رابعاً: الأموال الطائلة:
فخطة السلطات محاصرة المعارضين اقتصادياً حتى لا يتمكنوا من تنفيذ أعمالهم ومشاريعهم.


ويروى أن هارون الرشيد في إحدى رحلاته للحج استقبل الإمام الكاظم بحفاوة بالغة ولكنه حينما وزع الهدايا والهبات على شخصيات المدينة أعطى للإمام أقل مما أعطي الآخرين فتعجب ولده المأمون من ذلك وسأل أباه قائلاً:


(يا أمير المؤمنين تعطي أبناء المهاجرين والأنصار، وسائر قريش وبني هاشم، ومن لا يعرف نسبه خمسة آلاف دينار وتعطي موسى بن جعفر وقد عظمته وأجللته مائتي دينار أخس عطية أعطيتها أحداً من الناس).


فأجابه هارون موضحاً سياسته الماكرة: (اسكت لا أم لك، فإني لو أعطيت هذا ما ضمنته له ما كنت آمنه أن يضرب وجهي بمائة ألف سيف من شيعته ومواليه وفقر هذا وأهل بيته أسلم لي ولك من بسط أيديهم).


ولكن أهل البيت (عليهم السلام) كانوا ربّوا أتباعهم على دفع الأخماس والحقوق الشرعية إليهم ومنها كانوا يموّلون نشاطات الثورة والتغيير.. وفي عهد الإمام الكاظم ولسعة رقعة المؤيدين له كانت تأتي للإمام أموال طائلة فينفقها على نشاطاته وأتباعه.


وهناك شواهد تاريخية عديدة على كثرة الأموال التي كانت تصل للإمام ويكفي أن نعرف أن بعض وكلاء الإمام الذين اعتمدهم لاستلام الحقوق وتوزيعها فترة سجنه قد طمعوا فيما جمعوا من الحقوق وانحرفوا عن خط الإمام بعد شهادته وأنكروا موته ولم يسلموا الأموال لوصيه الإمام الرضا (عليه السلام) ويطلق عليهم (الواقفة) أي الذين وقفوا على إمامته وأنكروا موته.


يقول يونس بن عبد الرحمن: مات موسى بن جعفر وليس من قوّامه أحد إلا وعنده المال الكثير، وكان ذلك سبب وقفهم وجحدهم موته، طمعاً في الأموال، كان عند زياد بن مروان القندي سبعون ألف دينار. وعند علي بن أبي حمزة ثلاثون ألف دينار.


خامساً: التأييد الجماهيري الواسع:
فلم يعد الولاء لأهل البيت (عليهم السلام) مقتصراً على الحجاز والعراق بل اتسعت رقعته إلى إيران ومصر والمغرب وسائر البقاع.


هذه بعض المظاهر التي تدل على نضج وقوة الحركة الرسالية بقيادة الإمام (عليه السلام) حتى لكأنها دولة داخل الدولة الرسمية الظاهرية مما جعل السلطة تستشعر الخطر الجدي والحقيقي من إمكانية استلام هذه الحركة لأزمة الحكم أي وقت تشاء ويعبر عن هذا القلق لدى السلطة ما قاله أحد عملائها للرشيد: ما ظننت أن في الأرض خليفتين حتى رأيت موسى بن جعفر يسلم عليه بالخلافة، وأن الأموال تحمل إليه من المشرق والمغرب!!


وهناك بعض الروايات تشير إلى أن الإمام الكاظم كان مهيئاً ومعداً لإعلان الثورة واستلام الحكم فيكون القائم من آل محمد بالأمر لولا حدوث بعض الأخطاء في صفوف الحركة مكّن السلطة من إجهاض التحرك واعتقال الإمام وقتله.


فعن أبي حمزة الثمالي قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام): إن علياً (عليه السلام) كان يقول: (إلى السبعين بلاء وبعد البلاء رخاء) ، وقد مضت السبعون ولم نر رخاءً!!


فقال أبو جعفر (عليه السلام):
(يا ثابت إن الله تعالى كان وقت هذا الأمر (أي قيام الحكم الإسلامي الصحيح) في السبعين فلما قتل الحسين اشتد غضب الله على أهل الأرض، فأخره إلى أربعين ومائة سنة، فحدثناكم فأذعتم الحديث وكشفتم قناع السر فأخرّه الله ولم يجعل له بعد ذلك وقتاً عندنا ويمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب).


عن داود الرقي قال: ما يلج في صدري من أمرك شيء إلا حديثاً سمعته من ذريح يرويه عن أبي جعفر (عليه السلام)!


قال لي: وما هو؟
قلت : سمعته يقول: سابعنا (أي الإمام الكاظم) قائمنا إن شاء الله.
قال: صدقت وصدق ذريح وصدق أبو جعفر.
قال داود: فازددت والله شكاً.
ثم قال لي: يا داود أما والله لولا أن موسى قال للعالم:
(ستجدني إن شاء الله صابراً) ما سأله عن شيء. وكذلك أبو جعفر (عليه السلام) لولا أن قال إن شاء الله لكان كما قال فقطعت عليه.


هذا المستوى الذي وصلت إليه حركة الإمام من استعدادها وتهيئها للانقضاض على سلطة الجور والظلم هو الذي دفع السلطة الحاكمة إلى استخدام أبشع أساليب القمع والإرهاب مع الإمام الكاظم وشيعته المعاصرين.

التعليقات (0)

شارك بتعليقك حول هذا الموضوع

CAPTCHA security code

شارك هذا الموضوع