شارك هذا الموضوع

الظواهر المسرحية بموسم عاشوراء في البحرين

قراءة مسرحية لفعاليات عاشوراء البحرين:


 


شهدت مناطق إحياء عاشوراء في البحرين في فترة التسعينات وما بعدها حتى لحظة كتابة هذا المقال توجه حثيث نحو مسرحة الفعاليات المختلفة في شكل مواقف مسرحية أو عروض ممسرحة أو حتى مسرحيات متكاملة أحيانا في عناصرها الأساسية من حدث درامي وشخوص متضادة وحوارات متعاكسة، وأزمنة وأمكنة ذات دلالات متعاظمة عميقة، فما سر هذا التوجه وما غرضه وما ذا يختزن في داخله من مقولات ومن أين يستمد أصالته وهل مسرحة كربلاء في البحرين وفي مواكب التعزية حالة غير أصيلة تنتهي بانتهاء شخوصها وهل هذه الحالة هي حالة طارئة تتلاشى بتلاشي باعثها.


ومن هنا أراني سأقوم بالإجابة في هذه الورقة بشيء من التحليل عن أسئلة التأصيل وأستكشف عن المكامن المسرحية في إحياء عاشوراء وسوف أتعرّض للحدث التاريخي وما فيه من إمكانيات التمسرح وحالة الخطيب وتمثله لحوارات الشخوص وأطوار لسان الحال وما بها من مكامن مسرحية ثم المواكب السيارة في البلاد وما فيها من ترميز مسرحي، ثم أثر الإحياء السنوي في الميل للتجديد والبحث عن أشكال جديدة للإحياء هربا من الرتابة المتكررة مشيدا بالتوجه نحو تقديم إحياء عاشوراء في أبهى حلة من الفعاليات المسرحية خالصا إلى استنتاجات سريعة في الخاتمة.


 


سؤال التأصيل ومسرح التعزية


إن الإلحاح على عميلة التأصيل قد جرّت وراءها تساؤلات أكبر وبحوثا أعمق، جعلت الساعين وراء سؤال التأصيل يغوصون في أعماق التاريخ وينفضون التراث، مغربلين غثه من سمينه بحثا عن أصل لكل ظاهرة جديدة أو طارئة وذلك لأغراض عديدة منها الهرب من الخطاب المنبهر بالآخر إلى تأسيس الخطاب المعتـز بالذات الذي يحس أن تراثه يكتنز بالمدخرات للتأكيد على أصالة الهوية في كل مجال وليس للفخر الزائف، ولأن المسرح انتقل للبيئة العربية جاهزا من الآخرين فقد سعى الباحثون إلى  تأصيل الشكل المسرحي محاولين العثور في أشكال السرديات التاريخية العربية عن حالة مسرحية فتم استدعاء سير العرب وأيامهم تلك الحروب الطاحنة والأشعار التي تمتلئ بمآثرهم ومفاخرهم ومناظراتهم ومخاصماتهم وقصص الفرج بعد الشدة والطرائف والنوادر والحكايات من مثل ألف ليلة وليلة والمقامات اللغوية التي تحمل بعدا دراميا كل ذلك في سبيل البحث عن تأصيل للحالة المسرحية إلا أن كل تلك السرديات وإن احتوت على العناصر المسرحية إلا إنها ظلت تدور في مجال النص النظري بعيدة عن الواقع التمثيلي لذلك لجأ البعض إلى اعتبار الخطيب والناس المتجمعين حوله حالة مسرحية، أو اعتبار الحكواتي حالة مسرحية، أو اعتبار المنشد في المواليد والأفراح كذلك، إلا أن كل ما سبق يظل حالات مقترحة تعتمد على الصيغة الفردية، إلى أن تنبه البعض إلى ما يقدم في التعزية من استعادة لمشاهد واقعة كربلاء فاعتبر أن ما يفعله الشيعة من تمثيل واقعة كربلاء يعد من أبعد النقاط في تأصيل شكل المسرح العربي، وفي هذا المجال يبرز الدكتور علي عقلة عرسان في بحثه عن الظواهر المسرحية عند العرب الذي نال عليه جائزة اتحاد الكتاب لعام 1981م متوقفا مع الاحتفالات الجماهيرية المتنوعة والتي اختار أن يبدأها بعاشوراء ونصوص التعزية مشيرا إلى الإمكانات المسرحية الكبيرة التي تتوافر في إحياء الجماهير لمناسبة عاشوراء في معظم البلدان الإسلامية والتي تعاد فيها بأشكال وأساليب مختلفة، وقد أشار في ذلك إلى دراسة الدكتور محمد عزيزة لنص التعزية في كتابه المسرح والإسلام بالإضافة إلى دراسات لمستشرقين وباحثين أجانب وعرب وقد أخذ الدكتور عرسان على عزيزة أنه عاد إلى نص فارسي في التعزية غير مستوف لشروط الحدث في الوقت الذي توجد نصوص عربية مستوفية لما سبق فأشاد بنص مقتل الحسين أو لواعج الأحزان للسيد محسن الأمين العاملي وإلى قراءة المقتل بصوت الخطيب عبد الزهراء الكعبي في أداء مثير تحفه أصداء أصوات المشاركة الجماهيرية ولا ينكر أن تدرجه الدرامي جعله ينتقل من التأثر إلى البكاء إلى الغصة التي تملأ القلب، ثم ساق وصفا لجون باجوت اجلوب في كتابه "إمبراطورية العرب" الذي يخلص إلى أن تلك الاحتفالات السنوية التي تبدأ مع اليوم الأول من محرم وتنتهي في العاشر منه أشبه بالعرض المسرحي الذي يشعرنا بمقومات مسرح احتفالي ويختص بتأثير ذي طابع ديني يجعل من الناس أنفسهم مشاركين ومؤدين ومتفرجين، ثم توقف مع ما ذكره أحمد حلمي العلاف في كتاب دمشق مطلع القرن العشرين من وصف للحالة المسرحية التي يتم بها إحياء موسم عاشوراء في دمشق داعيا إلى تأمل الشكل الفني والأثر النفسي الذي اتخذته هذه الفعاليات المتمسرحة متسائلا هل للفن وظيفة أكثر من هذه الوظيفة المؤثرة، لذلك ليس غريبا أن يسمي د. محمد الخزاعي مظاهر الأحياء الممتدة تاريخيا بالحلقة المفقودة في المسرح العربي، وبهذا العرض أخلص إلى أن إحياء عاشوراء يتخذ صيغة تأصل لمسرح احتفالي عربي متميز وتبين تجذر الشكل المسرحي عربيا بما يجعلنا معتزين بهويتنا مؤكدين على حضارية هذه الفعالية وأصالتها.


 الحدث التاريخي والإمكان المسرحي


إن أول ما يقال في هذا المجال هو أن واقعة كربلاء في أبسط صورها ليست سوى حادثة تتداخل فيها أدوار مجموعة من الشخصيات مشكلة بحواراتها وبمقولاتها المختلفة وحركاتها الملحمية أهم عناصر الحدث المسرحي لذلك ليس صعبا على أي مبدع أن يعيد نسج تلك الحادثة التاريخية في أشكال مسرحية مختلفة وإن كان المسرح الملحمي أبرزها فإنه ليس آخرها نظرا لما تحمله هذه الشخصيات من ثقل قداسي عند المتلقي العربي المسلم بمختلف انتماءاته، لقربها من مركزية الحدث في التاريخ الإسلامي، أو لما تحمله من مقولات عميقة كانت أساسا في تشكيل مأساتها وصراعها مع زمنها ومع شخصيات عصرها، وأن إيمانها بمقولاتها وتمثلها العميق لهذه المقولات ذات البعد السماوي هو الداعي لعملية الاستشهاد الجماعية، ومن هنا يبرز العنصر التطيهري الذي تتكامل به وبغيره عناصر الحدث الملحمي، وهو ما يجعلها مادة جاهزة للتمثل المسرحي سواء في استمداد صورة مسرح ملحمي أو مسرح تاريخي أو تسجيلي فضلا عن وجود صيغة مسرح  يتسم بالحالة الاحتفالية.


 


الخطيب وإمكانات التمثل المسرحي


إن حالة الخطيب الذي يصعد المنبر فيتمثل مشاهد كربلاء في سرد تاريخي يحمل في داخله الوصف المؤثر والحوار المتعاكس بين الجزارين والأبطال وبين الضحايا أنفسهم ومختلف الشخصيات التي تصنع الحدث هي حالة تتمثل مختلف الأحاسيس فأحيانا يبرز لنا الخطيب بأدائه صورة الخوف من سوء المصير أو الرجاء رجاء الفوز و النصر أو الغضب على القتلة أو الحماس عبر إنشاد الأرجاز التي قيلت في معركة كربلاء أو تقال في وسط المعركة على عادة العرب لتشجيع المقاتلين وتهديد الأعداء أو تمثل اليأس من الناصر أو التحسس بالخذلان واستجاشة هدير الفجيعة القادمة بالصرخات والأنات الباكية في مجلس التعزية وكل هذه العواطف والأحاسيس تلقى بأسلوب معين يبتكره الخطيب وليس غريبا أن تقاس براعة الخطيب بالقدرة على تمثل مختلف هذه الأطوار إلى الحد الذي جعل هنالك خطباء مشهورين ومتميزين بأطوارهم التي أصبحت علامة بارزة عليهم يستطيع المتلقون المستهلكون لخطاب المنبر تصنيفها وتحديدها واستظهارها وبيان الأصيل من الدخيل والمجدد من المقلد فيها وتحديد من يبتكرها ويبدعها ممن هو طارئ عوال على غيره فيها ومن يصطنعها ممن يتصنعها ، وإن أبعد حالة ينشدها الممثل المسرحي بأدواته المختلفة ليست ببعيدة على ما يصل إليه الخطيب ويصطنعه في هذه الأجواء، وكذلك هي صيغة لسان الحال المعروفة عند شعراء التعزية التي يسوق من خلالها الشاعر أو الخطيب بمخيلته أبياتا تماثل مقولات الشخصيات وردات فعلهم المتوقعة تمثل حوارا يستبطن حالة مسرحية   وبهذا تكون حالة الخطابة في أجلى صورها حالة مسرحية أو مكمنا تنزرع في عناصر صيغة مسرحية ماثلة.        


 


مسيرة موكب التعزية والمسرحة


كما أن مواكب التعزية السيارة في البلاد لتحمل الإمكانات المسرحية المختلفة فأنت ما إن تفتح عيونك على المواكب السيارة في مختلف مناطق الإحياء حتى ترى أنها تتشكل في مجموعات: مجموعة الشبيهات، مجموعة اللاطمين، مجموعة الخيول، مجموعة الجمال، حيث تقوم كل مجموعة منها بعمل معين وإن كل عمل من هذه الأعمال يعمد إلى تسجيل صورة من صور كربلاء ويستبطن مشهدا من مشاهد الواقعة وما بعدها خصوصا المشاهد التي تمكنت من المخيلة الشعبية الخاصة وسكنتها وبدأت تعيد تشكيلها وتثبت أهم أطرها وليس غريبا أن تتحد هذه المشاهد في أنماط تتشابه في كل مواكب الإحياء لتحمل في ثناياها أهم العناصر ولتتحول في نهاية الأمر إلى رموز تاريخية حاضرة ، وإن من أهم ما يجعل هذه المشاهد حاضرة في مخيلة مواكب التعزية السيارة دون غيرها هو إمكان إعادة شحنها بالواقع ولذلك نراها تتكرر زمانيا ومكانيا إلى أن تصبح أكثر تجريدا وقدرة على احتواء العمق الدلالي الذي تنشحن به ذاكرة المخيلة حين مشاهدتها، فمجموعة الشبيهات تستقطع مشهد ما بعد الذبح  متناسية التسلسل الزمني، إن هذا المشهد يصور الضحايا وتلك الأجساد المقطعة الأيدي والرؤوس التي قدمت نفسها في سبيل مبادئها وإن حملهم والمشي بهم في البلاد يستبطن حمل الضحية التي أسقطت على التراب فارتفعت فوق الرقاب والمشي بها في موكب التاريخ لتكون شاهدة على الزمن .. إنهم قتلى الرأي، الذين يتمثلون طريقة السماء المتحررة من الاستعباد في مقابل طاغي الأرض الذي يستعبد الإنسان وتتجمع فيه كل الصفات القبيحة ولذلك نرى أن هناك مجموعات أحيانا تتمثل صورة القتلة في أسوء صورة تصطنعها المخيلة من وجوه مشوهة سوداء بالخزي والعار وفي نظرات قاسية صلفة، ثم مجموعة الخيول ورجالها الذين يمثلون رجال وجنود الجيش القاتل وعتاده الحربي والذي تمت به مواجهة آل البيت ويتم به مواجهة من يسلك طريقتهم من محبيهم في هذه الحياة وفي المقابل خيول مطرزة أجسادها بالسهام والرماح وكأنها تمثل خيول الشهداء تلك الخيول التي رافقتهم في جهادهم وكم تحمل الخيول في داخلها من رموز العزة والإباء سواء عبر المخيلة أو عبر النص فصفة العزة والشرف والخير قرينة الخيول دائما وبهذا يجعلها الذهن رمزا لكل ما اقترن بها في صيغة استبدالية، ثم مجموعة من الأطفال والسبايا التي خرجت وسط المعركة تطلب رجالها وتستعطف القوم في شربة من الماء منادية العطش العطش واعمتاه وهو مشهد مؤثر خصوصا عند استدعاء صورة المعركة وذهول الأطفال ببراءتهم وحيرتهم وخوفهم وتصور كل مشاعر الطفولة الساذجة ثم مجموعة الجمال وتمثل ركب السبايا بعد المعركة حيث أجبرت عائلة الحسين على تركه من غير مواراة في صحراء كربلاء والمشي عنه والعبور في البلاد ، ثم مجموعة اللاطمين على الصدور التي تشير بحسب انطلاق المخيلة وتمثلها إلى مواكب التائبين بعد مقتل الحسين في صورة ثورات مستمرة على قتلة الحسين إلى أن تم إسقاط الدولة الأموية، مع الإشارة إلى أن مجموعة الطم في هذه الفترة قد تحولت إلى شكل مسيرة طويلة جدا يشارك فيها الآلف من الجماهير وتقدم فيها القصائد التي تتمثل التاريخ الحسيني وتتعبأ بالهم السياسي التغيري لتبين إمكانية هذه الحالة الجماهيرية على المساهمة في الإصلاح على المستوى الخاص والعام كما هي حركة الحسين في أهدافها الأساسية، وقد أصبحت مجموعة مسيرة الموكب هي الأوسع من ناحية الاستحواذ على قطاع جماهيري أكثر مشاركة وتواصل، هكذا تتمثل المخيلة حركة مجموعات تاريخية تستجمعها في مشاهد تختزن فيها ما تريده من واقعها، وإذا كانت هذه المشاهد تستقطع العنصر الزمني وتلاشيه فهي تستقطع العنصر المكاني كذلك من خلال تقديمه العروض المسرحية في الشوارع والطرقات ومن أهم ما يؤيد هذه الحالة أن الفضاء المسرحي لم يكن ليقتصر على الخشبة المسرحية ذات الخلفية المصطنعة فهناك المسرح الإغريقي والمدرجات الرومانية في الشكل الدائري الذي لا خلفية فيه وراء الممثل كما هو في مسرح شارع عاشوراء أحيانا إذ يلتف المتفرجون بالممثلين ويشاهدون العرض من كل جهة وهناك مسارح الساحات والمقاهي وهناك كثير من الفضاءات المسرحية المعمارية التي تضم الممثلين والمتفرجين في مكان واحد ناهيك عن مسرح الشارع الذي يعد قريبا على مستوى الاسم والشكل مما تمت الإشارة إليه، هذا التوجه الذي يركز على أهمية عنصر التواصل الجماهيري بين المتفرجين والممثلين كاسرا للحاجز الوهمي المفترض بين الطرفين بين المنصة ومكان الجمهور أو بين الممثلين والمشاهدين.


 الإحياء السنوي والإمكانات المسرحية


إن هذا الحدث بعد إعادة صياغته شعبيا وإنتاجه مرات عديدة أصبح  يختزن في داخله أهم العناصر المسرحية وخصوصا بعد مرور التاريخ عليه وإعادة تشكيله وتمثله بين السارد التاريخي والمتلقي المستهلك له في شكل إحياء سنوي متجدد محاولا أن ينفلت من أسر الرتابة المتكررة فكل ما ردده الراوي فإنه يقوم بإعادة صياغته صياغة جديدة تتناسب والفترة الزمنية التي يعيشها وإن استدعاء الماضي وشحنه بالحاضر المعاش في إحياء عاشوراء يجعلنا نرى أن العنصر الزمني هنا أصبح يسير في شكل متداخل في أزمان مختلفة ومتعددة من الماضي التاريخي الذي يمثل ظلامة الضحية والحاضر الآسر الذي تهمش فيه هذا الإنسان  إلى المستقبل المأمول، وليس هنالك أقدر من المخيلة الحكائية في تبصير الإنسان بواقعه وماضيه ومستقبله وخصوصا إذا تحولت إلى عمل درامي وذلك لما للعمل الدرامي من قدرة على تشخيص الأفكار وتجسيد المبادئ في شخصيات من لحم ودم متلاقيا مع مخيلة المتلقين الخاصة، والذين يتماهون مع الحدث والشخصيات ويستدعون واقعهم في حكاية الماضي وسرديته ويعيشون شخصية الضحية ويتسامون مع الشهيد يتعالون على الجلاد ويهزؤون به في داخلهم وينسحب التلقي الجماعي مع التلقي الفردي ليتلمس الإنسان بنفسه ومن خلال الصورة الطريقين وتظل صورة الضحية والجزار تسكنه حتى يختار أي طريق يسلك في عملية علاجية استبصارية لا مثيل لها أبدا وهذا ما يجعلنا دائما مشدوهين إلى حد الإحساس بالقشعريرة أو حتى حد التعرق في حال مشاهدة الأعمال الدرامية. ولأن هذا الإحياء أخذ يتعاقب بشكل سنوي أصبح يلح على متمثليه ومستهلكي الحدث أن يستعيدوه بشكل تجديدي مستمر يتعالى على التكرار الممل ويهرب من الرتابة المقيتة فيعيد تشكيل الحادثة ويشحنها بالواقع مركزا في كل مرة على جانب يستهويه بشكل أكبر لما فيه من قدرة على تمثل الواقع مغيبا الأطر الزمنية معيدا الحادثة في خطاب حديث وكأنها تحدث للتو وبوسائل هذا العصر الذي يعيش فيه ويشكل الحادثة من خلاله صانعا كل عناصر الألق الذي تحتاجه العملية الإبداعية، إن توظيف الإنسان للزمان بشكل اجتماعي فاعل في إطار مسرح احتفالي يعد حالة ثقافية متقدمة.


 


الإحياء المسرحي لواقعة عاشوراء


وفي منطقة السنابس  تميزت ليلة الثالث عشر من محرم بعرض مسرحي يقدمه ويمثله أبناء المنطقة في أيام قد اندثرت وذكريات عروض قد انمحت ولم يبقى منها سوى قليل من رجالاتها وممثليها في ما يسمى بعزاء بني أسد  حيث يحضر قوم بني أسد فيقومون بدفن أجساد الضحايا بعد المعركة في شكل رثائي وصورة جنائزية مستعرضين ما خلفته الواقعة من مشاهد مأساوية فهناك أجساد بدون رؤوس وأجساد قد قطعت أيديها وطفل مذبوح على صدر أبيه ودماء في كل مكان وجثث تمتلئ بالسهام وأعضاء قد تناثرت في الصحراء لا يدرى من صاحبها لما لاحقها من تبديد وملاحقة وقتل، مشاهد لشيوخ قتلى، وشباب صرعى، وأطفال مذبحين في شكل تراجيدي مؤثر يستدر البكاء والحنق على الأعداء والقتلة، ممثلا لحالة الفجيعة، وقد كانت هناك عدة مناطق في البحرين تقدم عاشوراء بصورة مسرحية منها السنابس والدراز وباربار وبني جمرة وسترة إلا إن هذه الفعالية قد توقفت في أكثر من منطقة أو أصابها الضعف شيئا فشيئا في الأيام السابقة وذلك لضياع نصوص العرض الأساسية أو بسبب سذاجة الاعتماد على ما يختزنه الذهن الشعبي ومخيلته من ملتقطات  شفوية مسموعة من الخطيب الشعبي لتكون نصا ارتجاليا رديئا  أو لما لابسها من بعض السلبيات التي أخرجتها من إطارها الذي تدور فيه وحل محلها موكب المسيرة العزائية.


بيد أن حقبة التسعينات وما بعدها أبرزت توجها ملحوظا نحو تقديم أعمال مسرحية في إحياء عاشوراء فتميزت في ذلك قرية بني جمرة التي تحيي ليلة الحادي عشر مسرحيا كل عام و وكذلك والدراز والسنابس وجزيرة النبيه وسترة والمعامير وغيرها وإن المتتبع لنشاط الحقبة وما قدم فيها من فعاليات يلتفت إلى وجود أكثر من عمل أو عرض مسرحي قدم في أكثر من منطقة.


ومن خلال ما سبق نخلص إلى ما يأتي :


1-     أن مسرح إحياء عاشوراء صيغة مسرحية أصيلة يمكن من خلالها التأصيل لحركة المسرح العربي بما يبرز دور الموروث في تعزيز الهوية العربية الإسلامية.


2- إن واقعة كربلاء حادثة تاريخية بعد تداولها المستمر وإعادة إبداعها سنويا أصبحت مشحونة بذاكرة المخيلة التاريخية لمستهلكيها وصارت قادرة على صناعة أكثر من شكل مسرحي على سبيل المثال: مسرح ملحمي أو مسرح تسجيلي أو مسرح فقير أو مسرح الشارع.


3- إن ما يقدمه الخطيب من أطوار في تقديم أبيات الرثاء الحسيني والأرجاز وأشعار لسان الحال لشخصيات كربلاء كل ذلك يحمل في داخله حالة مسرحية كامنة


4 -إن مسيرة الموكب التي تستقطع مشاهد من كربلاء وتشحنها بالواقع والحاضر والمستقبل متخذة من الشارع فضاء مسرحيا متحركا لتكون فعلا مسرحيا رائدا على مستوى التجريب المسرحي في اختبار وتطوير مفهوم الحركة في الزمان والمكان.


5- إن إحياء عاشوراء مسرحيا يتخذ صيغة مسرح احتفالي يعتمد على عنصر التواصل بين الممثلين والمتفرجين في مساحة جماهيرية واسعة.


6- إن إحياء عاشوراء مسرحيا أصبح محملا بكثير من الدلالات منها الأصالة ومنها المقاومة السلبية الرافضة لكل أنواع القهر وكل ما تمارسه نقطة المركز على هامشها من سلطة وهيمنة.


7-  إن توجه مستهلكي خطاب كربلاء إلى مسرحة التعازي يعد حركة تتسم بوجه حضاري في إيمان بالإبداع الفني القادر على صناعة المستقبل والمساهمة في صنع حالة حضارية ماثلة  


       وفي النهاية  أخلص إلى أن ما سبق من مظاهر تجعلنا نستشعر ما في هذا الإحياء من مكامن مسرحية أصبحت تميل بمستهلكي الحدث ومتمثليه إلى أهمية أن يكون هذا الفعل المسرحي صادرا منهم عن قصدية وتمكن يسير بهم من بساطة الإنشاء الأولي إلى جدية متمكنة من الأدوات والفعل المسرحي للسير في مجالات الإبداع الرحبة، وإلى توظيف أكثر وعيا، واستلهام أكثر قدرة وتمهن  يعتد به في المجال المسرحي بتقديم أعمال متميزة قادرة على الثبات من خلال ما فيها من عناصر الإبداع من داخل العمل نفسه لا من العوامل الخارجية وتعاطفها مع العمل.

التعليقات (1)

  1. avatar
    صالح مهدي حسن

    أشكر أستاذي العزيز أ.حبيب حيدر على مقالاته المسرحية الميدانية وأقول ان باب الابداع مشرع على مصراعيه والدم الحسيني والضمير الحسيني والروح الحسينية تمدنا وتقودنا نحو الكمال انشاء الله........... .

شارك بتعليقك حول هذا الموضوع

CAPTCHA security code

شارك هذا الموضوع