شارك هذا الموضوع

إثبات الهجوم على دار الزهراء (ع) وما ترتب عليه

مضى أبو بكر وعمر وأبو عبيدة إلى سقيفة بني ساعدة ، ولم يبق حول جثمان الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم إلاّ أقاربه ومواليه ، وهم الذين تولوا غسله وتكفينه وإدخاله قبره ومواراته ، وهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام وعمه العباس رضي الله عنه وابناه الفضل وقثم ، واُسامة بن زيد مولاه ، وقيل : شقران ، أو صالح مولاه صلى الله عليه وآله وسلم (1) . فارتفعت الأصوات في السقيفة وكثر اللغط بين المهاجرين والأنصار ، ثم إن عمر بن الخطاب ضرب على يد أبي بكر فبايعه الناس ، ثم أتوا به المسجد يبايعونه ، فسمع العباس وعلي عليهما السلام التكبير في المسجد ولم يفرغوا من غسل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (2) .
وكان عامّة المهاجرين وجلّ الأنصار لا يشكّون أن عليّاً عليه السلام هو صاحب الأمر بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (3) ، فتخلّف قوم من المهاجرين والأنصار وجمهور الهاشميين عن بيعة أبي بكر ، وكان منهم : العباس بن عبدالمطلب ، والفضل بن العباس ، والزبير بن العوام ، وخالد بن سعيد ، والمقداد بن عمرو ، وسلمان الفارسي ، وأبو ذر الغفاري ، وعمار بن ياسر ، والبرّاء بن عازب ، وأُبي بن كعب ، وعتبة بن أبي لهب ، وغيرهم (4) ، وروي أنّهم اجتمعوا على أن يبايعوا عليّاً عليه السلام (5) .
وكان أمير المؤمنين عليه السلام قد اعتزل الناس بعد أن فرغ من جهاز رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعكف على جمع القرآن الكريم بعهدٍ من الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم ، وروي أنّه عليه السلام قال : « لا أرتدي حتى أجمعه » ، وقالوا : إنّه لم يرتدِ إلاّ للصلاة حتى جمعه (6) .
وفي تلك الاثناء بلغ أبو بكر أن جماعة منهم العباس قد اجتمعوا مع علي ابن أبي طالب عليه السلام في منزل فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فبعث إليهم عمر بن الخطاب ، وخالد بن الوليد في رجالٍ من الأنصار ونفرٍ من المهاجرين أرسلهم أبو بكر رِدءاً لهما ، كزياد بن لبيد الأنصاري ، وعبد الرحمن بن عوف ، وأُسيد بن حُضير ، ومسلمة بن سلامة بن وقش ، ومحمد بن مسلمة ، وثابت بن قيس بن شماس الخزرجي ، وسلمة بن أسلم (7) ، والمغيرة بن شعبة ، وسالم مولى أبي حذيفة (8) .
فجاء عمر بن الخطاب فناداهم وهم في دار علي عليه السلام : لتخرجنّ إلى البيعة أو لاُحرقنّها على من فيها! فقيل له : يا أبا حفص؟ إنّ فيها فاطمة! فقال : وإن (9) !! .
فلمّا سمعت فاطمة عليها السلام أصواتهم نادت بأعلى صوتها : « يا أبتِ يا رسول الله ، ماذا لقينا بعدك من ابن الخطاب وابن أبي قحافة؟! » فلمّا سمع القوم صوتها وبكائها انصرفوا باكين ، وكادت قلوبهم وأكبادهم تنفطر ، وبقي عمر ومعه قوم (10) ، فاقتحموا الدار ، فصاحت فاطمة عليها السلام وناشدتهم الله (11) ، وجعلت تبكي وتصيح (12) .
وخرج إليهم الزبير مصلتاً سيفه ، فاعتنقه زياد بن لبيد الأنصاري ورجل آخر ، فندر السيف من يده ، فضرب به عمر الحجر فكسره (13) ، ثم أخرجهم بتلابيبهم يساقون سوقاً عنيفاً (14) .
وروي أنّهم قالوا : ليس عندنا معصية ولا خلاف . . وإنما اجتمعنا لنؤلف القرآن في مصحف واحد ، ثم بايعوا أبا بكر (15) .
واجتمع الناس ينظرون ، وامتلأت شوارع المدينة بالرجال ، ورأت فاطمة عليها السلام ما صنع عمر ، فصرخت وولولت ، واجتمع معها نساء كثيرة من الهاشميات وغيرهنّ ، فخرجت إلى بابها ، وقالت : « يا أبا بكر ، ما أسرع ما أغرتم على أهل بيت رسول الله! والله لا أُكلّم عمر حتى ألقى الله » (16) .
وقالت عليها السلام : « لا عهد لي بقومٍ حضروا أسوأ محضرٍ منكم ، تركتم رسول الله جنازةً بين أيدينا وقطعتم أمركم بينكم ، لم تستأمرونا ولم تروا (17) لنا حقاً (18) ، كأنكم لم تعلموا ما قال يوم غدير خمّ ، والله لقد عقد له يومئذ الولاء ، ليقطع منكم بذلك منها الرجاء ، ولكنكم قطعتم الأسباب بينكم وبين نبيكم ، والله حسيب بيننا وبينكم في الدنيا والآخرة » (19) .
وأخرجوا عليّاً عليه السلام ومضوا به إلى أبي بكر ، فقال له عمر : بايع . فقال عليه السلام : « إن أنا لم أفعل فمه ؟ » قال عمر : إذن والله الذي لا إله إلاّ هو نضرب عنقك !
فقال : « إذن تقتلون عبد الله وأخو رسوله » . قال عمر : أما عبدالله فنعم ، وأما أخو رسوله فلا (20) ، وأبو بكر ساكت . فقال له عمر : ألا تأمر فيه بأمرك؟ فقال : لا أُكرهه على شيءٍ ما كانت فاطمة إلى جنبه (21) .
ولم يبايع عليٌّ أبا بكر حتى ماتت فاطمة عليها السلام بعد ستة أشهر ، فلمّا ماتت عليها السلام ضرع إلى صلح أبي بكر (22) .


آثار الهجوم وما ترتب عليه :
اندفع القوم إلى بيت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولم يرعوا لها حرمة ، ولا لاَبيها المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم ذمّة ، وقد رافق الهجوم على الدار بعض الأحداث المخالفة للشرع والدين والضمير والوجدان والأعراف والسجايا الانسانية ، وكلّها مصاديق تحكي قصة الانقلاب على الأعقاب والإحداث بعد غياب الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم ، ومن تلك الأحداث :
1 ـ إحراق البيت :
ثبت إحراق البيت المقدس من طريق الفريقين ، فقد روي أنّهم جمعوا الحطب الجزل حول بيت الزهراء عليها السلام ، وأضرموا النار في بابه ، حتى أخذت النار في خشب الباب (23) .
وروى الثقفي بالاسناد عن حمران بن أعين ، عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال : « والله ما بايع علي حتى رأى الدخان قد دخل بيته » (24) .
وقال المسعودي : فأقام أمير المؤمنين عليه السلام ومن معه من شيعته في منزله بما عهد إليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فوجّهوا إلى منزله ، فهجموا عليه وأحرقوا بابه ، واستخرجوه منه كُرهاً (25) .
وقد بلغ من اشتهار هذا الأمر أن سجّله كثير من الشعراء منذ القرون الأولى وإلى اليوم ، ومنهم عبدالله بن عمار البرقي ت 245 هـ حيث قال :


وكلّلا النار من نبتٍ ومن حطبٍ * والمضرمـان لمـن فيه يسبّانِ
وليس في البيت إلاّ كلّ طـاهرةٍ * من النساء وصدّيق وسبطانِ (26)
وقال علاء الدين الحلي المقتول سنة 786 هـ :
وأجمعوا الأمر فيما بينهـم غـوت * لهـم أمـانيهـم والجهـل والأملُ
أن يحرقوا منزل الزهراء فاطمـة * فيـالـه حـادث مستصعـب جَلَلُ
بيت به خمسة جبريـل سادسهـم * من غير ما سبب بالنار يشتعلُ (27)
ووردت الأخبار بهذا المضمون من طرق العامة أيضاً ، فقد ذكر السيد المرتضى رضي الله عنه أن خبر الإحراق قد رواه غير الشيعة ممن لايتهم على القوم (28) ، وفي ما يلي بعض رواياتهم :
روى البلاذري عن سليمان التيمي وعبدالله بن عون أنهما قالا : إنّ أبا بكر أرسل إلى علي عليه السلام يريد البيعة ، فلم يبايع ، فجاء عمر ومعه فتيلة ، فتلقّته فاطمة عليها السلام على الباب . فقالت فاطمة عليها السلام : يابن الخطاب ، أتراك محرقاً عليّ بابي؟ قال : نعم ، وذلك أقوى فيما جاء به أبوك (29) .
وذكر ابن عبد ربه الذين تخلفوا عن البيعة لاَبي بكر : علي عليه السلام والعباس ، والزبير ، وسعد بن عبادة ، قال : فأمّا علي عليه السلام والعباس والزبير ، فقعدوا في بيت فاطمة حتى بعث إليهم أبو بكر عمر بن الخطاب ليخرجوا من بيت فاطمة عليها السلام ، وقال له : إن أبوا فقاتلهم . فأقبل بقبسٍ من نار على أن يضرم عليهم الدار ، فلقيته فاطمة عليها السلام فقالت : يابن الخطاب أجئت لتحرق دارنا؟ قال : نعم ، أو تدخلوا فيما دخلت فيه الاُمّة (30) .
وقد سجّل شاعر النيل حافظ إبراهيم هذه المكرمة لعمر بن الخطاب حيث قال :
وقـولـةٍ لعلـي قالهـا عمـرُ * أكـرم بسـامعها أعظـم بملقيهـا
حرقتُ دارك لا أبقي عليك بهـا * إن لم تبايع وبنت المـصطفى فيها
ما كان غير أبي حفص يفوه بها * أمام فارس عدنـان وحـاميها (31)
وليته لم يَفُه بها ، فإنّها كانت سُبّة له وموبقة عظيمة لا تفارقه أبداً ، حتّى يلقى الله تعالى وبنت المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم غضبى عليه ، والرسول صلى الله عليه وآله وسلم حرب عليه ، لاَنّه صلى الله عليه وآله وسلم حربٌ لمن حاربهم ، وسلم لمن سالمهم (32) .
وظنّ شاعر النيل أنّ ذلك كان من شجاعة عمر ، وفات عنه أنّه لم تثبت لعمر قدم في المقامات المشهورة كما لم تروَ له صولة ولم تعرف عنه جولة ،
فهو الذي عاد في خيبر يُجبّن أصحابه ويجبّنونه (33) ، فما كانت الراية والفتح وقتل صناديد الكفر لتليق إلاّ بمن يحبّ الله ورسوله ويحبّه الله ورسوله ، الكرار غير الفرار ، علي أمير المؤمنين عليه السلام (34) .
كما فات عنه أنّ صبر أمير المؤمنين عليه السلام على القوم ما كان إلاّ بعهدٍ من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم له بالصبر عند خذلان الاُمّة (35) ، وأنّه عليه السلام كان يقول واصفاً حاله بعد البيعة : « فنظرتُ فإذا ليس لي معين إلاّ أهل بيتي ، فضننتُ بهم عن الموت ، وأغضيتُ على القذى ، وشربت على الشجا ، وصبرت على أخذ الكظم وعلى أمرّ من طعم العلقم » (36) .
وقال عليه السلام : « وطفقت أرتئي بين أن أصول بيدٍ جذّاء ، أو أصبر على طخية عمياء ، يهرم فيها الكبير ، ويشيب فيها الصغير ، ويكدح فيها مؤمن حتى يلقى ربه ، فرأيت أنّ الصبر على هاتا أحجى ، فصبرتُ وفي العين قذىً ، وفي الحلق شجىً ، أرى تراثي نهباً . . . » (37) .
وخلاصة القول إنّه عليه السلام آثر بقاء الإسلام الذي نذر حياته وخاض الغمرات لاَجله ، فنراه في أحرج المواقف التي واجهته بعد البيعة كان يقول :


« سلامة الدين أحبُّ إلينا من غيره » (38) .
الاحراق ذريعة للظلم :
إنّ إحضار الحطب حول بيت القدس والطهارة من قبل رجال الخلافة وإذكاء النار في بابه لانتزاع البيعة من أمير المؤمنين عليه السلام قد صار ذريعة للظالمين وسُنّة لطواغيت الاُمّة على طول التاريخ ، فقد روى المؤرخون أنّ عروة بن الزبير كان يعذر أخاه عبدالله في حصر بني هاشم في الشعب ، وجمعه الحطب ليحرقهم ، وكان يقول : إنّما أراد بذلك ألاّ تنتشر الكلمة ، ولا يختلف المسلمون ، وأن يدخلوا في الطاعة ، فتكون الكلمة واحدة ، كما فعل عمر بن الخطاب ببني هاشم لمّا تأخروا عن بيعة أبي بكر ، فانّه أحضر الحطب ليحرق عليهم الدار (39) .
2 ـ إيذاء الزهراء عليها السلام بالضرب والاسقاط :
وكان من امتدادات ذلك الهجوم أن تعرّض القوم لفاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالضرب ممّا أدى إلى إسقاط جنينها ، فشكت من أثر ذلك الضرب حتى التحقت بربها شهيدة مظلومة ، وقد استفاضت الروايات بذلك وثبت عند أعلام الطائفة .
قال الشيخ الطوسي رضي الله عنه : وقد روي أنّهم ضربوها بالسياط ، والمشهور الذي لا خلاف فيه بين الشيعة أن عمر ضرب على بطنها حتى أسقطت ، فسمّي السقط محسناً (40) ، والرواية بذلك مشهورة عندهم (41) ، وقد نقلها عنهم المخالفون أيضاً (42) .
ونقل الشيخ ابن شهرآشوب عن (المعارف) لابن قتيبة أنّ المحسن سقط من زخم (43) قنفذ العدوي (44) الذي أمره عمر بضرب الزهراء عليها السلام .
وكان من آثار ذلك الضرب أن مرضت الزهراء عليها السلام ولازمت فراشها حتى التحقت بربها ، كما أخبر بذلك أولاد الزهراء عليهم السلام (45) ، وقد أطبقت كلمتهم على أنّها ماتت شهيدةً مظلومة ، فعن علي بن جعفر عن أخيه أبي الحسن عليه السلام قال : « إنّ فاطمة صدّيقة شهيدة » (46) ، وجاء في زيارتها عليها السلام : السلام عليكِ أيتها البتول الشهيدة الطاهرة (47) . والسلام عليكِ أيتها الصديقة الشهيدة (48) .
ومما يدلّ على شيوع هذا الأمر وشهرته هو أن تناوله الشعراء مندّدين به مزرين على فاعله ، وذلك منذ القرون الاُولى وإلى اليوم ، قال السيد الحميري المتوفى 173 هـ :
ضربت واهتضمت مـن حقّها * واُذيقت بعـده طعـم السَّلع (49)
قطـع الله يـدي ضـاربهـا * ويـد الراضي بذاك المتّبع (50)
وقال القاضي النعمان المتوفى سنة 363 هـ في أرجوزته المختارة :
حتى أتوا باب البتول فاطمهْ * وهـي لهـم قالية مصارمهْ
فوقفت مـن دونه تعـذلهم * فكسـر البـاب لهـم أوّلهم
فاقتحموا حجابها فأعـولتْ * فضربوهـا بينهم فأسقطتْ


إلى أن قال :
وقتلهـم فـاطمة الزهـراءِ * أضرم حرّ النار في أحشائي
لاَنّ في المشهور عند الناسِ * بأنَّها ماتت مـن النفاسِ (51)
وقال الأمير علي بن مقرب الاحسائي المتوفّى سنة 629 هـ :
ياليت شعري فمن أنوح منهم * ومـن له ينهلّ فيض أدمعي
أللوصـي حين فـي محرابه * عمّم بـالسيف ولمّا يـركعِ
أم للبتول فـاطـم إذ منعت * عن إرثها الحق بأمر مجمعِ
إلى أن قال :
ولـم تزل مهضومة مظلومـة * بردّ دعواها ورضِّ الأضلعِ (52)
ونقل ذلك من غير طرق الشيعة ، فعن محمد بن أحمد بن حماد الكوفي الحافظ ، في ترجمة أحمد بن محمد السري بن يحيى بن السري ابن أبي دارم ، قال : كان مستقيم الأمر عامة دهره ، ثمّ في آخر أيامه كان أكثر مايقرأ عليه المثالب ، حضرته ورجل يقرأ عليه أنّ عمر رفس فاطمة عليها السلام حتى أسقطت محسناً (53) .
وعن إبراهيم بن سيار النظام ، قال : إنّ عمر ضرب بطن فاطمة يوم البيعة حتى ألقت الجنين من بطنها (54) ، وكان يصيح : احرقوا دارها بمن فيها ، وما كان في الدار غير علي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام (55) .
ونقل البغدادي والمقريزي عن النظام أنه قال : إنّ عمر ضرب فاطمة ابنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومنع ميراث العترة (56) .
ولا ندري كيف يجعل مرتكب مثل هذه الاُمور الفضيعة نفسه إماماً للاُمّة ، وفي موقع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ويؤتمن على الدين والإنسان والأخلاق وأموال الناس وأعراضهم ، ويوفّر لهم الكرامة والعزّة ، ويربّي الناس على الفضيلة والدين والأخلاق؟!
ثم إذا كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يحبّ من يبغض فاطمة ، ولو بكلمة واحدة ، فلماذا يُلام محبّو فاطمة عليها السلام على بغض قاتلها؟
اعتراف أبي بكر بالهجوم :
إنّ التجاوز على حرمة بيت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وإدخال الرجال فيه ، وهتك حرمته المقدسة ، قد صرّح به أبو بكر في لحظاته الأخيرة ، وفي ذلك دلالة قاطعة على حدوث هذا الهجوم وما رافقه من أحداث أليمة ، وعلى خطأ أبي بكر في الايعاز إلى جنده بقيادة ابن الخطاب للقيام بذلك العمل المنافي لاَبسط حقوق الزهراء ، والمؤدي إلى غضب الله تعالى ورسوله الكريم وصالح المؤمنين .
عن عبدالرحمن بن عوف : أنّه سمع أبا بكر يقول في مرضه الذي توفي فيه : وددت أني لم أكن فتّشت بيت فاطمة وأدخلته الرجال ، ولو كان أُغلق على حرب . وفي رواية : ليتني لم أكن كشفت بيت فاطمة عن شيءٍ ، وتركته ولو أُغلق على حرب (57) .
البيعة تأصيل للغدر وذريعة للظلم :
إنّ البيعة التي لاَجلها كان الهجوم على دار الزهراء عليها السلام مغرس الإسلام ومهبط الوحي ، هي مصداق للانقلاب والإحداث في الإسلام وتجسيد لنزعة الغدر والعدوان في هذه الاُمّة ، وهذا ما أعلم به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وصيَّه أمير المؤمنين عليه السلام ، فقد روى الجوهري بالاسناد عن حبيب بن ثعلبة ، قال : سمعت عليّاً عليه السلام يقول : « أما وربّ السماء والأرض ـ ثلاثاً ـ إنّه لعهد النبي الاُمي صلى الله عليه وآله وسلم إليّ : لتغدرنّ بك الاُمّة من بعدي » (58) .
فالبيعة لا تمتلك أدنى المقومات الشرعية ، ولم تتحصّن بأيّ سبب معقول أو منقول ، بل كانت كما وصفها أبو بكر (59) وعمر (60) : فلتةً وقى الله شرّها ، والحقّ أنّ شرها كان مستطيراً ، فهي حجر الزاوية لكلِّ مظلمة حدثت في التاريخ ، والذريعة لكلِّ من ظلم أهل البيت عليهم السلام من طواغيت الاُمّة وجبابرتها ، ويتضح ذلك جلياً في كتاب معاوية إلى محمد بن أبي بكر قبل حرب صفين حيث جاء فيه : فقد كنّا وأبوك نعرف فضل ابن أبي طالب وحقّه لازماً لنا مبروراً علينا (61) فلما اختار الله لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم ما عنده ، وأتمّ وعده ، وأظهر دعوته ، وأفلج حجّته ، وقبضه الله إليه ، كان أبوك والفاروق أول من ابتزّه حقّه ، وخالفه على أمره ، على ذلك اتّفقا واتّسقا ، ثم إنّهما دعواه إلى بيعتهما ، فأبطأ عنهما وتلكّأ عليهما ، فهمّا به الهموم ، وأرادا به العظيم ... فإن يكن ما نحن فيه صواباً ، فأبوك أوله ، وإن يكن جوراً ، فأبوك أُسّه ، ونحن شركاؤه ، فبهديه أخذنا ، وبفعله اقتدينا ، ولولا ما سبقنا إليه أبوك ما خالفنا ابن أبي طالب وأسلمنا له ، ولكنّا رأينا أباك فعل ذلك ، فاحتذينا بمثاله ، وأقتدينا بفعاله (62) .
فالبيعة إذن كانت اتفاقاً سرياً ، فعلى الرغم من أنهم كانوا يعرفون فضل أمير المؤمنين عليه السلام وحقه لازماً عليهم ، لكنهم اتفقوا واتسقوا على أن يبتزّوه حقه ويخالفوه على أمره .
روى الجوهري عن ابن عباس أن عمر قال له ليلة الجابية : إنّ أول من ريّثكم عن هذا الأمر أبو بكر ، إنّ قومكم كرهوا أن يجمعوا لكم الخلافة والنبوة . قال : قلت : لمَ ذاك يا أمير المؤمنين؟ ألم نُنِلهُم خيراً؟! قال : بلى ، ولكنّهم لو فعلوا لكنتم عليهم جَحْفاً جَحْفاً (63) .
وذلك الاتفاق يهدف إلى إقصاء عترة النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن أداء دورهم الرسالي ، وهضم حقوقهم ، والاستيلاء على الملك ، مهما كانت الوسائل ، وحتى لو انتهت بقتل أمير المؤمنين عليه السلام (وأرادا به العظيم) (64) كما قتلوا سعد ابن عبادة ، الذي ذهب إلى الشام مهاجراً ومغاضباً لاَصحاب السقيفة بعد أن هتف عمر أمام المهاجرين والأنصار : اقتلوه قتله الله ، فإنّه صاحب فتنة (65) ، ثم بعث رجلاً إلى الشام ، فرماه بسهم فقتله (66) .
وما كان اهتمام عمر بانتزاع البيعة بشتى الوسائل ، وإن أدى إلى القتل والتحريق ، إلاّ إمضاءً لذلك الاتفاق وحرصاً على تحقيق كامل أهدافه .
عن ابن عباس ، قال : بعث أبو بكر عمر بن الخطاب إلى علي عليه السلام حين قعد في بيته ، وقال : ائتني به بأعنف العنف ، فلمّا أتاه جرى بينهما كلام ، فقال علي عليه السلام : احلب حلباً لك شطره ، والله ما حرصك على إمارته اليوم إلاّ ليؤمّرك غداً (67) . وفي رواية : أشدد له اليوم أمره ليردّ عليك غداً (68) .
ولهذا كشفت الزهراء عليها السلام عن موقفها من سلطة السقيفة أمام الملأ حينما
المصادر والمراجع:
1) الطبقات الكبرى - ابن سعد 2 : 277 ـ 278 . والعقد الفريد - ابن عبد ربه 3 : 296 ، المكتبة التجارية ـ مصر . وتاريخ الإسلام - الذهبي 1 : 575 ـ 576 . وتاريخ الطبري 3 : 213 .
2) العقد الفريد - ابن عبد ربه 5 : 10 ـ 11 .
3) الموفقيات - الزبير بن بكار : 580 - 380 عن محمد بن اسحاق . وتاريخ اليعقوبي 2 : 124 . وشرح ابن أبي الحديد 6 : 21 .
4) تاريخ اليعقوبي 2 : 124 . وتاريخ أبي الفداء 2 : 63 . وشرح ابن أبي الحديد 2 : 49 .
5) شرح ابن أبي الحديد 2 : 56 .
6) اُنظر : الاتقان - السيوطي 1 : 204 . والطبقات الكبرى - ابن سعد 2 : 338 . ومناهل العرفان 1 : 247 . وكنز العمال 2 : 588 - 4792 . وشرح ابن أبي الحديد 1 : 27 و 2 : 56 .
7) راجع : مستدرك الحاكم 3 : 66 . وسنن البيهقي 8 : 152 . وشرح ابن أبي الحديد 2 : 50 و 51 و 56 و 57 ، و 6 : 11 و 47 و 48 .
8) الجمل - الشيخ المفيد : 117 .
9) الإمامة والسياسة - ابن قتيبة 1 : 12 .
10) الإمامة والسياسة - ابن قتيبة 1 : 13 . وأعلام النساء - كحالة 4 : 114 ـ 115 .
11) شرح ابن أبي الحديد 2 : 50 ، و 6 : 47 .
12) شرح ابن أبي الحديد 2 : 56 .
13) وفي رواية الطبري 3 : 202 أنّ الزبير عثر فسقط السيف من يده ، فوثبوا عليه فأخذوه . وروي أنّ الذي أخذ سيف الزبير وكسره هو محمد بن مسلمة . راجع مستدرك الحاكم 3 : 66 . وسنن البيهقي 8 : 152 . وكنز العمال 5 : 597 . وشرح ابن أبي الحديد 2 : 51 ، و 6 : 48 . وفي ج6 ص11 منه أنّه سلمة بن أسلم .
14) شرح ابن أبي الحديد 2 : 56 ، و 6 : 48 .
15) شرح ابن أبي الحديد 2 : 56 .
16) السقيفة وفدك - الجوهري : 73 . وشرح ابن أبي الحديد 2 : 57 ، و 6 : 49 .
17) في الإمامة والسياسة : ولم تردّوا .
18) الإمامة والسياسة 1 : 13 . والأمالي - الشيخ المفيد : 49 - 9 . والاحتجاج - الطبرسي : 80 .
19) الاحتجاج - الطبرسي : 80 .
20) وهو ردّ على الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فقد صحّ عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال لعلي عليه السلام : « أنت أخي في الدنيا والآخرة » ، راجع : سنن الترمذي 5 : 636 - 3720 . ومسند أحمد 1 : 230 . ومستدرك الحاكم 3 : 14 . وقال صلى الله عليه وآله وسلم : « أنت أخي وأنا أخوك ، فإن ذاكرك أحد فقل : أنا عبدالله وأخو رسوله ، لايدّعيها بعدك إلاّ كاذب » ، راجع : فضائل الصحابة - أحمد بن حنبل 2 : 617 - 1055 . وتذكرة الخواص - سبط ابن الجوزي : 22 .
21) الإمامة والسياسة - ابن قتيبة 1 : 13 . والآية من سورة الأعراف : 7 - 150 .
22) أنساب الأشراف - البلاذري 2 : 268 ، دار الفكر ـ بيروت .
23) الهداية الكبرى - الخصيبي : 407 . وبحار الأنوار 43 : 197 - 29 ، و 53 : 18 .
24) تلخيص الشافي - الطوسي 3 : 76 . وبحار الأنوار 28 : 390 .
25) إثبات الوصية - المسعودي : 124 ، المطبعة الحيدرية ـ النجف . وبحار الأنوار 28 : 308 - 50 .
26) الصراط المستقيم - البياضي 3 : 13 .
27) الغدير 6 : 391 .
28) الشافي - السيد المرتضى 4 : 119 .
29) أنساب الأشراف 2 : 268 ، دار الفكر ـ بيروت . والشافي - السيد المرتضى 3 : 241 . وتلخيص الشافي - الطوسي 3 : 67 .
30) العقد الفريد - ابن عبد ربه 5 : 12 . والمختصر في أخبار البشر - أبو الفداء 2 : 64 .
31) الديوان 1 : 75 ، دار الكتب المصرية ـ القاهرة .
32) سنن الترمذي 5 : 699 - 3870 . ومستدرك الحاكم 3 : 149 . ومسند أحمد 2 : 442 . ومسند فاطمة عليها السلام - السيوطي : 44 .
33) مستدرك الحاكم 3 : 37 . وتاريخ الطبري 3 : 12 .
34) صحيح البخاري 5 : 87 - 197 و 198 ـ كتاب الفضائل ، و5 : 279 - 231 ـ كتاب المغازي . وصحيح مسلم 4 : 1871 - 32 ـ 34 ـ كتاب الفضائل . ومسند أحمد 1 : 185 ، و5 : 358 . ومستدرك الحاكم 3 : 109 .
35) راجع : الاحتجاج - الطبرسي : 75 .
36) نهج البلاغة - صبحي الصالح : 68 الخطبة 26 .
37) نهج البلاغة - صبحي الصالح : 48 الخطبة 3 .
38) الموفقيات - الزبير بن بكار : 581 عن محمد بن إسحاق . وشرح ابن أبي الحديد 6 : 21 .
39) مروج الذهب - المسعودي 3 : 77 . وشرح ابن أبي الحديد 20 : 147 . ومقاتل الطالبيين - أبو الفرج : 315 .
40) وهو الابن الثالث لاَمير المؤمنين عليه السلام من الزهراء عليها السلام ، وقد جاء في الروايات والأخبار أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد أمر بتسميته محسناً وهو حمل في بطن أُمّه . راجع : الكافي - الكليني 6 : 18 - 2 . والخصال - الصدوق : 634 . والإرشاد 1 : 355 .
وذكره العامّة أيضاً وقالوا : انّه مات صغيراً . راجع : تاريخ الطبري 5 : 153 . والكامل - ابن الأثير 3 : 397 . وأنساب الأشراف - البلاذري 2 : 411 . والإصابة 3 : 471 . وميزان الاعتدال - الذهبي 1 : 139 . ولسان الميزان - ابن حجر 1 : 268 .
41) تلخيص الشافي 3 : 156 . وراجع أيضاً الاختصاص : 85 . وكتاب سليم : 37 . والهداية الكبرى - الخصيبي : 179 . وبحار الأنوار 30 : 239 ـ 240 ، و43 : 197 - 29 .
42) البدء والتاريخ - المقدسي 5 : 20 . وشرح ابن أبي الحديد الحنفي المعتزلي 2 : 60 .
43) الزخم : الدفع الشديد .
44) المناقب 3 : 358 . وقنفذ هو ابن عمير التيمي ، ذكره ابن الأثير وابن حجر وقالا : له صحبة ، وولاه عمر مكّة ثمّ صرفه . راجع : أُسد الغابة 4 : 208 . والإصابة 3 : 241 . والذي في المعارف المطبوع في دار الكتب المصرية سنة 1379 هـ ص211 : وأما محسن بن علي فهلك وهو صغير ، وقد جاء في كثير من الروايات أنّه تعرّض للزهراء عليها السلام بالضرب عندما أحالت بين القوم وبين أمير المؤمنين عليه السلام . راجع : الاحتجاج - الطبرسي : 83 . وكتاب سُليم : 38 و 40 . ودلائل الإمامة - الطبري : 134 . وبحار الأنوار 43 : 170 و 198 - 29 .
45) راجع : الاحتجاج - الطبرسي : 83 . ودلائل الإمامة - الطبري : 134 . وكتاب سُليم : 40 . ودعائم الإسلام 1 : 232 . وبحار الأنوار 43 : 170 - 11 و 198 - 29 .
46) الكافي 1 : 458 - 2 .
47) المزار - المفيد : 156 . والمقنعة - المفيد : 459 . وبحار الأنوار 100 : 197 - 14 ، و198 - 16 .
48) التهذيب - الطوسي 6 : 10 - 12 . والبلد الأمين - الكفعمي : 178 .
49) السَّلع : شجر مرّ ، ويقال : أمرّ من السَّلع .
50) الصراط المستقيم 3 : 13 .
51) الارجوزة المختارة : 88 - 92 ـ طبع سنة 1970 م ـ معهد الدراسات الإسلامية ـ كندا .
52) إثبات الهداة - الحر العاملي 4 : 1412 . وأدب الطف 4 : 32 .
53) سير أعلام النبلاء - الذهبي 15 : 578 . وميزان الاعتدال - الذهبي 1 : 139 - 552 . ولسان الميزان - ابن حجر 1 : 268 - 824 .
54) الوافي بالوفيات - الصفدي 6 : 17 .
55) الملل والنحل - الشهرستاني 1 : 57 .
56) الفرق بين الفرق - البغدادي : 148 ، دار المعرفة . والخطط - المقريزي 2 : 346 ـ دار صادر .
57) المعجم الكبير - الطبراني 1 : 62 - 43 . وتاريخ الطبري 3 : 430 حوادث سنة (13 هـ) . ومروج الذهب - المسعودي 2 : 301 . وتاريخ اليعقوبي 2 : 137 . والعقد الفريد 5 : 19 . وكنز العمال 5 : 632 - 14113 . وشرح ابن أبي الحديد 2 : 46 ـ 47 ، و 6 : 51 . ومجمع الزوائد 5 : 203 . وميزان الاعتدال - الذهبي 3 : 109 - 5763 . ولسان الميزان 4 : 189 - 502 . ومسند فاطمة عليها السلام - السيوطي : 17 ، 34 ، 35 .
58) شرح ابن أبي الحديد 6 : 45 .
59) أنساب الأشراف - البلاذري 2 : 264 .
60) شرح ابن أبي الحديد 6 : 47 .
61) وكان عمر بن الخطاب يعلم أيضاً يقيناً بمقام علي عليه السلام ، فقد روى الجوهري عن ابن عباس ، قال : إنّ عمر يشهد أن عليّاً عليه السلام أولى الناس بالأمر بعد رسول الله . شرح ابن أبي الحديد 2 : 57 و6 : 50 .
62) وقعة صفين - نصر بن مزاحم : 120 . وشرح ابن أبي الحديد 3 : 190 . ومروج الذهب 3 : 12 .
63) شرح ابن أبي الحديد 2 : 58 . وقوله : جحفاً جحفاً : أي فخراً وشرفاً .
64) وقد مرّ بك قول عمر له عليه السلام : إذن والله نقتلك ، وقول أبي بكر لعمر : إن أبوا فقاتلهم وكذا في شورى عثمان ، هدّده عبدالرحمن بن عوف بالقتل إن لم يبايع .
65) تاريخ الطبري 3 : 206 . وأنساب الأشراف 2 : 263 .
66) العقد الفريد 5 : 13 .
67) أنساب الأشراف 2 : 269 .
المصدر: موقع مؤسسة السبطين (ع) العالمية

التعليقات (0)

شارك بتعليقك حول هذا الموضوع

CAPTCHA security code

شارك هذا الموضوع